كنا نطير فوق الإمارات السبع في ليلة واحدة

بإذن من أحمد سعد عبدالله علي المنهالي

عملت كعقيد طيّار وكقائد لقاعدة البطين الجويّة بين عاميّ 1986 و2001، وقد اعتاد الشيخ زايد في تلك الفترة القيام بجولات جوية تفقدية في كل أنحاء البلاد لمتابعة أعمال البنية التحتية والمشاريع جارية التنفيذ بنفسه. كوني الطيار الخاص بالشيخ زايد كان شرفاً لي، وكانت مسؤولية هائلة ملقاة على عاتقي.
ومن واقع طبيعة الطائرات المروحية وتصميمها الخفيف الذي يتيح لمن فيها مدى واسع للرؤية في معظم الاتجاهات، فكثيرًا ما استخدمها الشيخ زايد كوسيلة للتنقل داخل الدولة في زياراته لمختلف المناطق، خاصة تلك التي كان يصعب الوصول إليها برًا وبالسيارات. طار الشيخ زايد فوق آبار البترول والمنصّات النفطية البحرية وغيرها، حيث كان يتمكن من رؤية شبكات الطرق والجسور والموانئ وغيرها من مرافق. في المساء، كان يستطيع رؤية شبكات الإضاءة ومدى اتساعها، وكان يرى مشاريع البناء تبدأ وتتسع وتنتشر. رأى الشيخ زايد من طائرته شتى أنحاء البلاد، من الساحل والصحراء وحتى الجبال. كان دائم الحركة، وكان يفكر في رفاهية الناس في كل بقعة من أرض الإمارات.
رأى الشيخ زايد الناس في الصحراء، ورأى مزارع البدو، وكانت قليلة ومنتشرة على مساحات واسعة، تفصل ما بين مزرعة وأخرى مسافة طويلة، ولم تكن تلك المزارع تتمتع بنظام ري لتعزيز الزراعة أو تربية الماشية. اتخذ عندها قرارًا بمد شبكة من أنابيب الماء لدعم قطاع الزراعة، وتمكن البدو وأصحاب المزارع من زراعة الطماطم والبصل والثوم والخيار وغيرها من ثمار لأول مرة في تاريخ البلاد. برزت أشجار النخيل وترعرعت، ودأب الناس على التعبير عن امتنانهم للشيخ زايد بعرض محاصيلهم الزراعية عليه عندما كان يزور قراهم ومزارعهم، وفي أحيان أخرى كانوا يجلبون معهم بعض الثمار إلى مجلسه، الأمر الذي أسعده كثيرًا. كان يشعر بسعادة أبدى الشيخ زايد كذلك الكثير بالاهتمام بالبدو من أصحاب الماشية والأغنام. إن الجمال معروفة بكونها سُفُن الصحراء، وأنها تستخدم كوسيلة للتنقل فضلًا عن أنها مصدر مهم للغذاء والألبان، ومع ذلك كان الشيخ زايد يرى أن الجمال تعاني من الكثير من الإهمال، وكان قلقًا من احتمالات انخفاض عدد الجمال الموجودة في الدولة، وانخفاض قيمتها السوقية، ولذلك فقد عمل كثيرًا لكي يعزز من الحالة العامة للجمال في الدولة، من مختلف الأوجه، منها الاقتصادي ومنها الثقافي.
اعتاد الشيخ زايد أيضًا حضور سباقات الجمال ومهرجاناتها في كافة أنحاء البلاد؛ في أبوظبي والظفرة والوثبة والشارقة وأم القيوين ودبي وغيرها من أماكن. قام الشيخ زايد بتصنيف الجمال في ثلاثة فئات رئيسة: تلك المستخدمة في إنتاج الألبان، وتلك المخصصة للسباقات، وتلك المخصصة لمسابقات الجَمَال. ساعد هذا التصنيف أصحاب الجمال على رفع القيمة المادية للجمال التي يمتلكونها، وأصبح مهرجان الظفرة على سبيل المثال أحد أهم مهرجانات الجمال في المنطقة والعالم، جاذبًا مشاركة كبيرة من مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. هناك منطقة في الظفرة قام الناس بتسميتها «شارع المليون» نظرًا لاحتضانها الكثير من صفقات بيع وشراء الجمال غالية الأثمان.
ورأى الشيخ زايد الناس عند الساحل؛ رآهم يعانون في كسب أقواتهم عبر وسائل تقليدية وقديمة تنطوي علي الكثير من المعاناة، ولاحظ أنهم لم يكونوا يواكبون الأساليب الحديثة المستخدمة في الصيد؛ ولم تكن لديهم الأدوات أو القوارب الحديثة أو الموانئ المجهزة وغيرها من مرافق ضرورية، وأراد أن يساعدهم في تحسين مستوى معيشتهم وعملهم. كان مدركًا أنه من الصعب عليهم مجاراة محيطهم اعتمادًا على الخبرات التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وقرر تدريبهم ومنحهم سفنًا وقوارب حديثة مجهزة بأحدث معدات الصيد وحفظ الأسماك ومعالجتها، بغرض زيادة انتاجيتهم وكفاءة عملهم.
بالغة عندما يزور قرية أو منطقة نائية ليتحدث مع السكان المحليين عن زراعتهم. كان يسألهم عما يزرعونه، وكيف يزرعونه.
كنتُ أنا الطيار، ولكن الشيخ زايد كان الدليل والمُرشِد، وفي كثير من الأحيان لم يكن بحاجة لخريطة. طرنا سويًا في الليل والنهار، وأحيانًا في ظروف جوية سيئة. وبصفتي كنت مرافقًا للشيخ زايد على متن الطائرة في هذه الرحلات، فقد شهدتُ بنفسي الطريقة التي وحّد بها الإمارات السبع في دولة واحدة. كان الشيخ زايد حريصًا على زيارة حكّام الإمارات كلها، وعمل على أن يوفر البنية التحتية المثالية لكل المواطنين، حتى مع تباين مناطق معيشتهم جغرافيًا. دعم التعليم، وأسس بنية تحتية قوية، وجمع الموارد، وطوّر الصناعة وشجّع الصحة والثقافة. كان محبًا للطيران، وفي بعض المناسبات كنا نطير فوق الإمارات السبع في ليلة واحدة.

أحمد سعد عبدالله علي المنهالي
الشيخ ذايد: قرن من الذكريات
لئلا ننسى

صورة:
صورة (تفصيل)، أحمد سعد عبدالله علي المنهالي
بإذن من أحمد سعد عبدالله علي المنهالي
أرشيف لئلا ننسى

شكرًا على اشتراكك في نشرتنا الإخبارية!

سوف تصلك النشرة عمّا قريب

ساهم في عام الخمسين

تعرف على المزيد من الفعاليات القادمة في نشرتنا الإخبارية.

انظر النشرات الإخبارية السابقة

النشرة الإخبارية الخاصة بعام الخمسين

أرسل لي تحديثات حول كيفية المشاركة في عام الخمسين!
بالاشتراك في النشرة الإخبارية ، فإنك توافق على تلقي المعلومات منا عبر البريد الإلكتروني.
انظر النشرات الإخبارية السابقة