من الصحراء إلى جنة خضراء

بإذن من عبدالحفيظ خان

وصلت إلى أبوظبي أول مرة سنة 1962، وكان الأمر أشبه بالانتقال عبر الزمن إلى العصر الحجري. هبطت الطائرة على الرمال، فلم يكن هناك مهبط للطائرات. لم يكن هناك أي شيء. رأيت العلم القديم لأبوظبي يرفرف في المكان. كان الضابط السياسي البريطاني في إجازة، ولهذا قام مساعده باستكمال أوراقي وأوراق من معي. كان الشيخ شخبوط هو الحاكم حينها. كان اسم «إمارات الساحل المتصالح» يطلق على كافة الدول في هذه المنطقة، وكانت تابعة للوصاية البريطانية.
جئت من بيروت بتوصية من صديق لي يدعى سيرجيو بوسطن، والذي كان يعمل ملحقًا بالسفارة البريطانية هناك. كان ثمة علاقة صداقة وعمل بين الشيخ زايد وسيرجيو. أراد الشيخ زايد أن يجعل الصحراء خضراء، وسعى لجلب كل الخبرات العالمية في مجال الزراعة إلى الإمارات في سبيل ذلك. قال الكثير من الخبراء للشيخ زايد أن حلمه مستحيل التحقيق. كنت حينها أدرس درجة الماجستير في الزراعة، ووقعت عقدًا للعمل في أبوظبي. قلت لنفسي أنها ستكون تجربة جديدة، وقررت البقاء لمدة عام. لقد قدّر لي الله أن أعيش هنا.
كرّست كل وقتي ومعرفتي لهذا المشروع. قلت لنفسي أن بإمكاني النجاح في زراعة الصحراء. كان الشيخ زايد مسؤولًا عن التخطيط لكل مشروعات مدينة العين. كنا نمشي في الصحراء، وإذا رغب في بناء طريق جديد، رسم بعصاه خطاً في الرمال. وفي خلال أيام، أتى المهندسون والعمال والشاحنات وتم بناء الطريق ورصفه. كان يشير بعصاه إلى حيث أراد أن يزرع، وكنت أزرع البقعة التي أشار إليها.
كان السؤال الأهم هو: ما الذي يمكن زراعته في هذه الصحراء؟ كانت هناك رياح قوية في الصحراء، وهي كفيلة باجتثاث أي نباتات أو أشجار. سألني الشيخ زايد في أكثر من مناسبة عما إذا كان هناك ما يمكن فعله حيال ذلك الأمر. حاولت كثيرًا، فكرتُ ذات مرة في زراعة أشجار النخيل. كانت هناك الكثير من أشجار النخيل هنا، والتي استمدت المياه من أنظمة الري الطبيعية التي وفرتها الأفلاج، ولم تقتلعها الريح، فلمَ لا نزرع المزيد منها؟
مرّت عشرة أيام. وقد وصلت سيارة اللاند روفر التي طلبناها. لم تكن هناك شوارع معبّدة في المكان الذي كنت أعمل فيه. قدت السيارة متجهًا إلى قصر الشيخ زايد وطلبت رؤيته، ولكنه كان خارج البلاد. كان رأسي مزدحمًا بالأفكار. كنت متلهفًا لإنجاز شيء ما وبسرعة، نظرًا لأنني كنت قررت الرحيل بعد إكمال عام في الإمارات. أثناء قيادتي، مررتُ ببعض أشجار النخيل وسألت نفسي: لماذا لا أزرع هنا؟ بدأت عندئذ بزراعة أشجار النخيل في مدينة العين بدءًا من فندق هيلتون وحتى السوق الصغير. مرّ بعض الوقت ثم اكتشفنا أن الأشجار قد مدّت جذورها في التربة واستقرت. عندها طلب مني زايد الاستمرار في زراعة الطريق بين العين وأبوظبي، وبعد ذلك الطريق بين أبوظبي ودبي. نشر هذه الفكرة في دول الخليج أثناء زياراته إلى مسقط في عُمان، والمملكة العربية السعودية. وكثيرًا ما كان الشيخ زايد يتابعنا ويشرف على عملنا أثناء الحفر والزراعة. كنا نستخدم الدواب في تلك الفترة لحمل الأغراض الثقيلة. كنت أناديه بـ «زايد»، وكان يناديني بـ «خان».
كان زايد على دراية كبيرة بأنواع النباتات الأصلية السائدة في المنطقة، ولكنه كان راغبًا في جلب نباتات من أماكن أخرى، ولهذا طلبنا بعض الأشجار والنباتات المختلفة من باكستان. وصلت النباتات إلى دبي، لأن أبوظبي لم يكن بها ميناء بحري آنذاك. طلب مني الشيخ زايد أخذ سيارته للذهاب إلى دبي والإشراف على نقلها. كان الميناء على بعد مسافة من مدينة العين تبلغ سبع ساعات باستخدام السيارة. أخذت سيارة الشيخ زايد ووصلت هناك ثم باشرت في تفحص حالة النباتات. عندما عدت إلى العين في ساعة متأخرة، وجدت أن الشيخ زايد ما زال مستيقظًا، بانتظار تفحّص النباتات ولكن دون نتيجة. استمرت بنفسه، ثم بدأنا في زرعها على الفور. حثّني الشيخ زايد في اليوم التالي على العمل بكل ما أوتي لي من طاقة وجهد لزرع باقي النباتات والأشجار. عملنا كثيرًا، حتى في شهر رمضان أثناء ساعات الصيام. قال لي حينها أن المدينة ستكون عامرة بالبنيان حينما تكبر هذه النباتات.
كانت هناك مسألة أخرى تتعلق بالغذاء، أو النباتات الصالحة للأكل، وتحدثت مع الشيخ زايد حينها حول زراعة أشجار نخيل التمر، حتى يأكل الناس منها ويدعون له. بل إن الطيور أيضًا سوف تأكل منها.
أصبح الشيخ زايد حاكمًا لإمارة أبوظبي في السادس من أغسطس سنة 1966. بدأ العمل بعد يومين من تقلّده للمنصب. كان رجلًا مجتهدًا يحب العمل، وكان أمرًا مبهرًا أن ترى كيف يتحرك ويتصرف أثناء العمل. أحب الشيخ زايد الأشجار كثيرًا، وعندما أتى المهندسون وشركات المقاولات لتنفيذ المشاريع، أكّد الشيخ زايد على أهمية عدم المساس بشجرة واحدة. لم يكن رجلًا عاديًا مثل الآخرين. كانت لديه عينان ثاقبتان لا يفوتهما شيء.
كنت أتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ولهذا لم تكن لدي حاجة لتعلّم العربية، وقام الشيخ زايد بتخصيص مترجم لي. ولكنه لم يكن سعيدًا بالتحدث عبر مترجم، وعندها أعطى المترجم الكثير من الأموال وطلب منه عدم العودة إلى العمل. سألته عندها: «أين المترجم؟» قال لي أنه يريدني أن أتعلّم التحدث بالعربية، وأعطاني مهلة ثلاثة أشهر لتعلّمها. كان الأمر شديد الصعوبة، مثل ترك طفل صغير في بحيرة عميقة والطلب منه تعلم السباحة. ولكن هذه الطريقة أثبتت نجاحها بشكل لافت، لأنني تعلمت التحدث باللغة العربية الدارجة في فترة قصيرة جداً. وفي أحد الأيام عندما كان الشيخ راشد حاكم دبي في زيارة إلى أبوظبي، سألني: «من علّمك العربية؟» قلت له: «الشيخ زايد».
لم تكن ثمّة مشكلة في توفر الماء في مدينة العين عندما جئت إلى هذه البلاد. كل ما عليك فعله هو حفر الأرض بعمق عشرين إلى خمس وعشرين قدمًا. أما الآن فلا يمكنك أن تجد ماءً حتى عمق خمس وعشرين ألف قدم. عندما كان الماء متوفرًا في الماضي، بدأنا بإرساله إلى أبوظبي، وظلت العين تمد أبوظبي بالماء لعدة سنوات في عقد الستينيّات، حتى انخفضت مستويات الماء في العين، وتصادف ذلك مع بدء بناء محطات تحلية المياه في المنطقة. كانت المياه الجوفية للعين متصلة بالمياه الجوفية لأبوظبي، لأن النظام الجوفي المعتمد على جاذبية الأرض تسبب في تدفق الماء عميقًا داخل الأرض، وعندما انخفضت مستويات المياه في العين، قرر الشيخ زايد أن تزوّد أبوظبي العين بالمياه المحلّاة في المحطات، وبهذا بدأوا في استخدام مضخات المياه.
أحتفظ بالعديد من الرسائل التي وصلتني من الشيخ زايد والشيخة فاطمة. ترجع إحداها إلى 26 إبريل سنة 1966، ويخبرني فيها الشيخ زايد بأنواع الأشجار والنباتات التي يريد جلبها إلى العين. أما في رسالة أخرى، تخبرني الشيخة فاطمة عن أنواع من الخضراوات التي تريد جلبها إلى قصر الحاكم، ومنها على سبيل المثال القرنبيط.
وبعد مرور عام على وجودي في أبوظبي، سألني أصدقائي وأفراد عائلتي: «لماذا لم تعد إلى بيروت؟» وبعد مرور بضعة سنوات على وجودي هنا، سألوني مرة أخرى: «هل تنوي قضاء كل حياتك في هذه البلاد؟».
أصبحت مواطنًا إماراتيًا قبل ثلاثين سنة بهبة من الشيخ زايد. وفي إحدى المناسبات كان علي التوجه إلى نقطة شرطة لإنجاز معاملة ما. تفقّد الشرطي المسؤول جواز سفري ووجد أن محل الميلاد هو مدينة العين. كيف حدث ذلك؟ الفضل بذلك يرجع بعد الله للشيخ زايد.

عبدالحفيظ خان
الشيخ ذايد: قرن من الذكريات
لئلا ننسى

صورة:
أ. صورة (تفصيل)، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وعبدالرحمن درويش، وعبدالحفيظ خان (من اليسار)،
العين، الستينيّات
بإذن من عبدالحفيظ خان
أرشيف لئلا ننسى
ب. بروة (رسالة)، موقّعة ومختومة من قبل الشيخة فاطمة بنت مبارك، الستينيّات بإذن من عبدالحفيظ خان
أرشيف لئلا ننسى

شكرًا على اشتراكك في نشرتنا الإخبارية!

سوف تصلك النشرة عمّا قريب

ساهم في عام الخمسين

تعرف على المزيد من الفعاليات القادمة في نشرتنا الإخبارية.

انظر النشرات الإخبارية السابقة

النشرة الإخبارية الخاصة بعام الخمسين

أرسل لي تحديثات حول كيفية المشاركة في عام الخمسين!
بالاشتراك في النشرة الإخبارية ، فإنك توافق على تلقي المعلومات منا عبر البريد الإلكتروني.
انظر النشرات الإخبارية السابقة