29.07.2021

جيلين من الأمهات – بقلم الدكتورة سليمة واني

كم يشعر الإنسان بالسعادة حين يستذكر حقبة جميلة من مسيرة حياته ، تعود بي الذاكرة الى ثلاثة عقود مضت حين قدمت من كشمير مع زوجي يوم 15 أبريل من عام 1989 ، عملت  كطبيبة في مستشفى الكورنيش  بأبوظبي  منذ اليوم الثاني من وصولي ولغاية اليوم  ،  شهدت ولادة أجيال من الأطفال الجميلة وهي تستقبل الحياة . أتذكر بشكل خاص كيف أنني أمسكت يوماً بيد أم شابة وهي تضع ابنتها ، وتمر الايام ويشاء القدر أن اشهد ولادة تلك الابنة  وهي تضع مولوديها.

عندما بدأت العمل في أبوظبي  لم أكن قد استقلت بعد من عملي السابق في بلادي لأنني كنت قد خططت للبقاء لبضع سنوات فقط في الإمارات بنية العودة إلى بلدي الأم. لم أكن أعلم حينها أن الإمارات العربية المتحدة سوف تصبح موطني لمدة اثنين وثلاثين عاماً قادمة.

شهد  باب المستشفى الذي عملت فيه دخولي وخروجي منه بشكل متواصل وبدون كلل أو ملل . بالطبع كنت أواجه أوقاتاً  أشعر خلالها بالتعب والإرهاق كما هي حال الحياة، إلا أنني كنت اتغلب على هذا الشعور  بحكم كوني أقوم بمهمة انسانية ولم يكن لدي حتى القليل من الوقت لأضيعه! 

عندما أفكر في مغادرة الإمارات، أجد صعوبة كبيرة في الأمر. فمن الصعب أن تغادر بلداً احتضنك انت وعائلتك  وجعلك  تشعر فيه وكأنك في وطنك الحقيقي وأنت محاط بعائلتك. لقد عملت مع جيلين من الأمهات، واليوم أساعد الفتيات اللاتي سبق وأن قمت بتوليدهن . لا يزال الكثير من الأطفال الذين رأوا النور على يدي  يتصلون بي ويطلبون مني النصيحة و يعاملونني كما لو أنني كنت أماً ثانية لهم . فكيف لي اذاً أن أترك أطفالي ورائي؟

 

لا يزال الكثير من الأطفال الذين رأوا النور على يدي  يتصلون بي ويطلبون مني النصيحة و يعاملونني كما لو أنني كنت أماً ثانية لهم . فكيف لي اذاً أن أترك أطفالي ورائي؟

عندما أنظر إلى هؤلاء الأمهات، أرى أنه بالرغم من العديد من التغييرات التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة على مدى العقود الثلاثة الماضية سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها، بقي هناك عاملان  ثابتان لم ينل منهما التغيير:  الأول يتمثل في القيم والتقاليد التي غرسها المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في شعبه  ، والثاني هو الطقس الذي اعتدنا عليه ! وفي حين لا يوجد ما يقال عن الطقس، فمن العدل القول إن الحب والرعاية والقيم والتقاليد التي يتمسك بها كل من العائلات وكبار السن والتي تمثل ما زرعه الشيخ زايد في شعبه هي التي جعلتني أشعر وكأنني في موطني، وكأنني فرد من أفراد هذه العائلة الكبيرة   الامر الذي يشعرني دوماً بالراحة والاطمئنان بأن ولديّ محمد وعمار لن يكونا بمفردهما أبداً.

لم يكن من السهل تربية ولدين وأنا طبيبة وزوجة وطالبة علم تسعى لكسب المزيد من المؤهلات في الوقت ذاته. ولكن كيف كان لي ألا أرتقي بمهاراتي عندما وجدت الطريق ممهداً لذلك بفضل القيادة البراغماتية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وتشجيع أم  الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله . 

من الأمور ألمُلهمة التي تركت اثراً عميقاً في نفسي ومنحتني الحافز للعمل على تطوير مهاراتي لكي اتمكن من مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة وخدمة المجتمع الإماراتي من خلال تولي العديد من مهام التدريس والتوجيه في قطاع التعليم  كبَادرة لرد الجميل ، هِيَ الحكمة التي قالها المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ذات مرة:

“ليس مهماً كم نبني من المنشآت والمؤسسات والمدارس والمستشفيات، أو عدد الجسور التي نشيّدها، فكل ذلك كيانات مادية.. الروح الحقيقية التي تدفع التقدم للأمام هي الروح الإنسانية، الرجل القادر بفكره وملكاته”

 

كتب إريك فروم ذات مرة أن “الأشخاص الذين يتمكنون من تعلم الحب بطريقة ناضجة وواعية يفهمون أن الحب ليس امتلاكاً ولا شرطاً. بل الحب هو رغبة راسخة في تعزيز نمو جميع الأشخاص الذين نحبهم “.

 

ببساطة، لقد كانت خدمة أهل هذا البلد بصفتي طبيبة على مدى العقود الثلاثة الماضية بمثابة شعور بالحب غير المشروط بالنسبة لي. وبينما أفكر في الوقت الذي أمضيته في هذا البلد، وفي السنوات القادمة، أشعر أن الحياة لا تتعلق بأن نفعل ما نحب، بل أن نحب ما نفعل. 

 

سلسلة مقالات ” بين الخمسين والخمسين” تروي قصص وحكايات لأشخاص عاشوا حاضرهم وماضيهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

عام الخمسين