27.10.2021

البحث عن الوطن حول المائدة: بقلم حنان سيد وريل

من أعمق المفارقات البشرية أننا لا نستطيع السفر، بمعنى مغادرة الوطن والعودة، إلا عندما يكون لدينا وطن لنغادره. السؤال المعتاد “أين هو الوطن ؟” أو نتيجته المنطقية “من أين أنت ؟” كثيرا ما نطرحه نحن المقيمين في الإمارات العربية المتحدة ونسأل عنه أيضاً.  هل الوطن حيث ولدت؟ أم حيث تقيم عائلتك،؟ أم جهة إصدار جواز سفرك أم من حيث ينحدر أسلافك؟

إنها مسألة أمعنت التفكير فيها منذ نعومة أظافري طوال نشأتي في الكويت، حيث ولدت لأب مصري وأم لبنانية/سورية، نشأت في غربة بين الكثير من المغتربين الفلسطينيين ومع قوىٰ عاملة من جنوب آسيا والعديد من الجنسيات الأخرى. بعد عقود وبعد ان انهيت الدراسة في كاليفورنيا ،والعمل في نيويورك، والزواج من شخص من جنوب أمريكا وتربية أسرة في أبوظبي لأكثر من ربع قرن ، ما زلت أتساءل عما إذا كان المقّر، والوطن والمنزل، مكاناً حقيقياً.

ولكن في مرحلة ما، أدركت أن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالبيت، والجذور، والانتماء التي شغلتني أكثر من غيرها، كانت مثلها مثل الطبخ. لطالما كان جزءَاً من حياتِي،  فالطعام وفنون الضيافة التقليدية والطهي شكلوا محاور مهمة في حياتنا، خاصة كمغتربين. ولاحقاً في الإمارات، اكتشفت فعلياً دور الطبخ في بناء أسرة و تكوين مجتمع.

في بلد حيث يأتي معظم  الناس من أماكن اخرى  يمكن للحنين إلى الوطن أن يتغلغل في حياتنا. بالنسبة للكثيرين منا، رحلة الغربة تبدأ  بالانتقال إلى مدينة جديدة، وتتجسّد بذلك الشعور بفقدان الجذور. وحينها نعمل جاهدين على توطيد شعور الإنتماء  والتخفيف من وطأة الإغتراب من خلال الطهي والتغلغل في الأسواق المحلية. نعم نطبخ لفهم المكان الذي انتقلنا إليه، نطبخ الأطعمة المألوفة لدينا وأيضا تلك التي تبدو غريبة، نطبخ لأن الطعام كان دائما وسيلة موثوقة للخوض في تجارب لثقافات أخرى في العالم، ونطبخ لأقدم وأهم الأسباب وهو التغلب على الحنين إلى الوطن.

في عام 1993، عرض على زوجي ستيف وظيفة في أبوظبي لتطوير حقل غاز بحري. وافقت على مغادرة مستقرنا في نيويورك وأسرتي في الكويت على مضض لما كان مقرر له أن يكون تكليف لمدة عامين. كان عمل ستيف الأول في الصحراء النائية في المنطقة الغربية حيث عاش هناك خلال أيام  الأسبوع وكان يعود إلى المنزل في عطل نهاية الأسبوع. وبينما كنت أنشئ منزلا مع طفلين وأتنقل في مدينة جديدة، كنت مصممة على متابعة مسيرتي المهنية الهندسية. ولذلك بدأت العمل في إدارة مشاريع الطيران والبيئة لصالح الحكومة. وفي العمل ، عرَّفني  زملائي الإماراتيون إلى ثقافتهم من خلال طقوس المكتب الصباحية المتمثلة في الرطب  والقهوة، والبخور ، والوجبة الخفيفة في منتصف الصباح من خبز الجباب ، وشاي الكرك. انضممت إليهم مع عائلتي لتناول وجبات الغداء يوم الجمعة في مزارعهم في مدينة  العين، والتعرف على تربية وتدريب الصقور في سويحان ، وحضور حفلات الزفاف الملكية في القصور، وولائم الطعام  في رمضان وأيام العيد. كما  شاركنا العمال الجنوب آسيويون المتواجدين في موقع عملي تيفين شانا مع خبز النان الملفوفة في الصحف، يصحبها كوب من الشاي الساخن.  

ومع مرور الوقت، تعلمت أن تنوع الإمارات العربية المتحدة وكيفية تلبيتها احتياجات الجميع من العامل إلى المدير التنفيذي هو  أمر مميز. وأتذكر أنه خلال اجتماع عُقد بشأن المناظر الطبيعية المحيطة بالطريق السريع إلى مطار أبو ظبي، ابلغنا كبير المهندسين بأن النخيل في وسط الطريق يجب أن يكون محدود الارتفاع بتوجيه سمو الشيخ زايد، بحيث يمكن للعمال المارين بها أن يتمكنوا  بأنفسهم  من تناول هذه  الفاكهة الدانية منهم  وبالتالي يتقاسمون خيرات الأرض.

وأذكر أيضاً  عندما وصلنا لأول مرة مجموعة المتاجر المتخصصة التي استوردت الأطعمة المعروفة في عدد من البلدان ، والتي كانت موضع ترحيب بالغ. كان هناك محل لبيع الجبن والمخللات، مع برطمانات ضخمة من الطرشي  (المخللات)، وكميات  ضخمة من جبن القشقوان ،والمش (الجبن الابيض المالح)، والفسيخ (السمك المجفف) المخصص لاحتفالات الربيع. بالنسبة لأي مصري، فإن زيارة إلى محل الجبن والمخللات من شأنها أن تعالج  معضلة الحنين إلى الوطن في لمح البصر. وكانت هناك محلات مماثلة للمطبخ الهندي والفلبيني وغيره من الأطعمة العرقية المعروفة لديهم . كانت الإمارات ترحب بالمغتربين في بيتهم الجديد من خلال تقديم الطعام لمختلف الثقافات الغذائية.

العيش هنا هو تجربة في التواصل -تواصل يتجاوز المكان- ومرارا وتكرارا رأيت الناس يتوافدون ، تاركين وراءهم بلدانهم، انشؤا بيوتاً مؤقتة أصبحت بعدها مستقّرهم. ومع ذلك، فهم في الوقت نفسه، يتركوا انطباعاً كبيراً على حياتنا، على هويتنا، من نصبح وكيف نرى العالم. تعلمت من أصدقائي الإماراتيين كيف أن التغيرات السريعة قد أثرت على حياتهم وكيف أن أطباقهم  قد تشبع بالنكهات والتوابل العالمية، كما وأن  ازيائهم المحلية قد تأثرت هي الأخرى نتيجة لذلك، اضافة الى رحلاتهم الخاصة إلى مختلف البلدان. أدركت أنه بإمكاننا مرة تلو الأخرى  استحضار شيء جوهري وذو قيمة من تدفق حياتنا في هذا المكان المتعدد الثقافات، وإيجاد سبباً قوياً لإبقاء جذورنا حية. 

ما أدركته أيضا ، أن الكثير من المقيمين في الإمارات العربية المتحدة اليوم محظوظون. نحن لدينا تقريباً إمكانية الحصول على أي غذاء أو مكون غذائي حتى خلال فترة جائحة COVID-19 العالمية. وكانت كلمات الشيخ محمد بن زايد في ربيع عام 2020 “لا تشلون هم” و “الغذاء والدواء خطوط حمراء” باعثة على الطمأنينة. ومع كفاح العالم مع التأثيرات البعيدة المدى المترتبة على الجائحة أدركت أن الوطن هو المكان الذي تشعر بالانتماء إليه ، حيث تشعر بالترحيب، والأمان. شكرا للإمارات العربية المتحدة لمنحي وطناً لي ولعائلتي على مدى العقود الثلاثة الماضية.

الكاتبة

حنان سيد وريل متخصصة في صياغة وتطوير المشاريع الدولية والثقافية المعقدة مع التركيز على الأهداف الاستراتيجية والمدنية والتجارية. لديها تقدير عميق لدور الثقافة والهندسة المدنية  في المدن التي تساعد في تعريفها. و كمُقيمة  لفترة طويلة  الأمد في الخليج، ساهمت حنان بشكل مهني في العديد من المشاريع الأكثر تأثيرا في المنطقة، بما في ذلك مشروع متحف غوغنهايم أبوظبي وجامعة نيويورك أبوظبي. 

سلسلة مقالات ” بين الخمسين والخمسين” تروي قصص وحكايات لأشخاص عاشوا حاضرهم وماضيهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

www.UAEYearOf.ae 

 

عام الخمسين